نصر حامد أبو زيد

43

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

جميع نواحيها وأطرافها في التصور القديم عند الشيعة والمتصوفة خاصة . لقد أدى هذا التصور للوجود الأزلي الكتابي للنص إلى نتيجتين هامتين : النتيجة الأولى المبالغة في قداسة النص وتحويله من كونه نصا لغويا دالا قابلا للفهم إلى أن يكون نصا تصويريا . ومع ازدهار الفنون - خاصة فن الخط والزخرفة - كان القرآن يمثل من حيث وجوده الخطي محور ابداع الفنان العربي . ويمكن القول من منظور المفهوم العربي للمحاكاة أن الفنان العربي كان يحاول محاكاة هذا الخط القديم الأزلي للنص في اللوح المحفوظ . إن هذا الافتراض يسانده فصل الأشاعرة بين الكلام النفسي القديم من القرآن وبين محاكاته الصوتية في القراءة من حيث أن الكلام النفسي صفة قائمة بالذات الإلهية لا تفارقها ، على حين أن تلاوة القارئ محاكاة في الزمان لهذه الصفة الأزلية . هذا على المستوى الصوتي ، فلما ذا لا يكون الرسام العربي الخطاط محاكيا للخط الأزلي الكتابي للنص في اللوح المحفوظ ؟ بناء على هذا التصور ان إضافة علم « مرسوم الخط » « 1 » إلى مجال علوم القرآن يؤكد هذا الافتراض ويسانده . هذا بالإضافة إلى المكانة الخاصة التي تمتعت بها الحروف على المستويين الصوتي والكتابي عند كل من الشيعة والمتصوفة ، وهو أمر ناقشناه في مكان آخر « 2 » . النتيجة الثانية التي أدى إليها تصور وجود خطي أزلي للقرآن - كل حرف بقدر جبل قاف - الايمان بعمق دلالته وتعدد مستوياتها ، إذ لا بد أن يكون المعنى والدلالة متلائمين مع الكلام النفسي القديم - الذي توحد بالعلم الإلهي - من جهة ، ومع هذا الحجم الهائل لحروف القرآن الأزلية من جهة أخرى . لكن ربط تعدد مستويات الدلالة بالأصل الإلهي والوجود الأزلي للنص أدى إلى استغلاق معنى النص نتيجة استحالة النفاذ إلى مستويات معانيه في نهاية الأمر . لذلك لا نعجب أن يسود مفهوم للنص يوحد بين دلالته اللغوية وبين ذات المتكلم ، فينسب الزركشي للامام الشافعي أنه قال : جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة ، وجميع السنة شرح للقرآن ، وجميع القرآن شرح أسماء اللّه الحسنى وصفاته العليا . وزاد غيره : وجميع الأسماء الحسنى شرح لاسمه الأعظم . « 3 » وينسب أيضا إلى سهل بن عبد اللّه التستري قوله : لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه اللّه في آية من كتابه ، لأنه كلام اللّه وكلامه صفته . وكما أنه ليس للّه نهاية ، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه

--> ( 1 ) انظر الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 376 - 431 . ( 2 ) انظر : فلسفة التأويل ص 297 - 301 . ( 3 ) البرهان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 6 .